Al Jazirah NewsPaper Wednesday  28/03/2007 G Issue 12599
القمة العربية 19
الاربعاء 09 ربيع الأول 1428   العدد  12599
 
صبحي غندور مدير مركز الحوار العربي بواشنطن لـ«الجزيرة »:
اختلطت بالقومية العربية مضامين عنصرية وأخرى معادية للدين

 

واشنطن - صلاح شعيب:

أكَّد الكاتب الصحافي صبحي غندور مدير مركز (الحوار العربي) بواشنطن في حوار مع (الجزيرة) أن الهوية العربية كانت موجودة كلغة وثقافة قبل وجود الإسلام، لكنها كانت محصورة بالقبائل العربية وبمواقع جغرافية محددة.. بينما العروبة - كهوية انتماء ثقافي - بدأت مع ظهور الإسلام ومع ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم وبنشر الدعوة بواسطة رواد عرب.. فالعروبة هي إضافة حضارية مميزة أوجدها الإسلام على الهوية العربية كلغة نتيجة ارتباط الإسلام بالوعاء الثقافي العربي ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

وهكذا أصبحت العروبة الحضارية هي الثقافة العربية ذات المضمون الحضاري الذي جاء به الإسلام، وبالتالي خرجت الهوية الثقافية العربية من دائرة العنصر القبلي أو الأثني، ومن محدودية البقعة الجغرافية (شبه الجزيرة العربية) إلى دائرة تتسع في تعريفها ل(العربي)، كل من يندمج في الثقافة العربية بغض النظر عن أصوله العرقية، ودخل في هذا التعريف معظم مَن هم عرب الآن ولم يأتوا من جذور أو أصول عربية من حيث الدم أو العرق. ويؤكّد هذا الأمر تاريخ العرب القديم والحديث من حيث اعتبار الأقليات الدينية في المنطقة العربية نفسها كجزء من الحضارة الإسلامية، ومن حيث تفاعل الأقليات الأثنية مع الثقافة العربية. في هذا الحوار يجيب الأستاذ صبحي غندور على العديد من الأسئلة التي تشغل الذهن العربي.

* ما هي أهداف (مركز الحوار)؟

هدف المركز هو إيجاد مناخ حر ومستقل لحوار عربي متواصل تتفاعل فيه الآراء وتختلف دون أن يختلف الأشخاص، فهو مختبر لأفكار دون شرط الالتزام بأي منها.

لذلك ليس هناك رأي أو موقف موحّد لمركز الحوار العربي في أي قضية، بل هناك آراء وأفكار مختلفة تتفاعل مع بعضها في هذا المكان المتواضع،

* ولماذا الطبيعة العربية لمركز الحوار؟

- إن هذه الطبيعة تعزِّز أولاً الهوية الثقافية العربية، وهذا الأمر مهم للعرب المقيمين بشكل دائم أو مؤقت بالولايات المحتدة، للمستقرين هنا بواشنطن أو لعابري السبيل، فالهوية الثقافية العربية وبُعدها الحضاري الإسلامي، أساس لبناء أي مستقبل عربي أفضل في أي مكان، إذ لا يمكن تحقيق دور عربي فعّال في المجتمع الأميركي ما لم نحقق أنفسنا أولاً، وتحقيق الذات لا يمكن أن يتم في فراغ فكري وثقافي، ف(فاقد الشيء لا يعطيه)، ولا يمكن تحسين (صورة) العرب والمسلمين في أميركا ما لم يتحسن وضعنا أولاً، فتحسين (الأصل) هو المدخل لتحسين (الصورة)، التحسين الطبيعي الطويل الأمد، وليس التحسين الاصطناعي المؤقت، فالعرب هم أبناء ثقافة واحدة لكن ينتمون إلى دول وأوطان متعددة، يأتون إلى أميركا التي هي وطن وبلد واحد لكن يقوم على أصول ثقافية متعددة، ولهذه الخصوصية انعكاسات مهمة جداً على واقع ودور العرب في أميركا، فهم بنظر المجتمع الأميركي - وحتى بنظر أبناء المنطقة العربية - (جالية واحدة) بينما واقع الأمر أنهم يتوزعون على (جاليات) عربية، وتنشط غالبية الجمعيات من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية من البلدان العربية.

وقد أدت هذه الخصوصية إلى كثير من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية، فالتسمية النظرية: الجالية العربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدد وانقسام على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية، إضافة طبعاً للصراعات السياسية التي لا تعرف سقفاً أو حدوداً تقف عندها.

إن (مركز الحوار العربي) هو مكان متواضع بمساحته وإمكاناته، لكنه كبير وفخور ببشره، بالحضور النوعي وبالمحاضرين الأكفاء، بالموضوعات المهمة وبأسلوب الحوار فيه القائم على مخاطبة العقل والفكر، بدون أي قيد إلاّ الاحترام المتبادل للأشخاص والآراء معاً، فالاختلاف بين البشر سنَّة الله تعالى، والبحث عن كلمة سواء مع الآخرين وزرع الكلمات الطيِّبة، وقول القول الحسن، هي من واجبات المؤمنين بالله أينما كان.. وهذا ما يحصل في مركز الحوار العربي من جمع بين حكمة الاختلاف، وبين الحوار العقلاني كأسلوب للتعامل مع هذا الاختلاف.. ودعم (الحوار)، هو دعم لعمل إعلامي وثقافي عربي مميز، يشمل إصدار مطبوعة فصلية باللغتين العربية والإنكليزية، ندوات أسبوعية متنوِّعة في (مركز الحوار العربي) إضافة إلى موقع إلكتروني على الإنترنت ينقل تجربة (الحوار) وأنشطتها إلى بقاع العالم كله:

* في كتاباتك، اهتمام بالفكر القومي العربي ومحاولة الدفاع عنه في ظروف صعبة ربما سببها هذا الفكر نفسه..؟

- صحيحة ملاحظتك في الحالتين: اهتمامي بالفكر القومي وعن مسؤولية هذا الفكر عن ظروفه الصعبة، أود أولاً الإشارة إلى أن القومية تعبير يسمح بالتقلص وبالامتداد بما هو أكثر أو أقل من معنى العروبة، كمثال (القومية السورية) في المجال العقائدي والسياسي، و(القومية الكردية) في المجال الأثني..إلخ. إن القومية تعبير اختلطت فيه مضامين أخرى في التاريخ الحديث والمعاصر (مضامين عنصرية أو مضامين معادية للدين أحياناً).. القومية تَشَوّه استعمالها من قبل الكثير من الحركات السياسية المعاصرة.. بينما العروبة تحدد نفسها بنفسها، فالعروبة تشمل خصوصيتها وعمومية تعريف القومية، في حين أن استخدام تعبير القومية الآن لا يؤدي غرض معنى العروبة نفسها.

فالقول: أنا (عروبي) يعني أموراً فكرية وثقافية محددة، بينما القول أنا (قومي عربي) يحتاج الآن إلى الكثير من التوضيح والتفسير، العروبة هي تعبير عن الانتماء إلى قومية محددة، لها خصائص وخصوصيات تختلف عن القوميات الأخرى حتى في دائرة العالم الإسلامي، الدعوة إلى العروبة هي دعوة فكرية وثقافية، بينما الدعوة إلى القومية العربية اتسمت بالحركية السياسية، الانتماء إلى العروبة يعني التسليم بالانتماء إلى أمة واحدة يجب أن تُعبّر عن نفسها مستقبلاً بشكل من أشكال التكامل أو الاتحاد بين أبنائها.. لكن (الوحدة) قد تتحقق بحكم الفرض والقوة.. أو بحكم المصالح المشتركة (كما حصل للحالتين في نماذج أوروبية مختلفة) دون أن تكون الشعوب منتمية بالضرورة إلى أمة واحدة، ف(الوحدة) ليست معياراً لوجود العروبة بينما العروبة تقتضي حتماً التعبير السياسي عن وجودها بشكل اتحادي ما.

* وماذا عن الظروف الصعبة التي يعايشها الفكر القومي؟

- ما زال بعض القوى القومية العربية يكرّس الأسباب نفسها التي أدّت إلى انحسار الصحوة القومية العربية وإلى انعزال القوى القومية بشكلٍ عام عن محيطها الشعبي العربي، فلم تدرك بعدُ هذه القوى (لا فكراً ولا ممارسةً) أنَّ القومية العربية هي حالة انتماء وليست مضموناً فكرياً وسياسياً قائماً بذاته، أي لا يكفي القول (إنني قومي عربي) لأحسم موقعي وموقفي الفكري من قضايا لها علاقة بالدين والديمقراطية وبالواقع العربيّ الراهن والصيغ الدستورية للحكم.

* وكيف يمكن إيجاد حركة فاعلة لنهضة عربية؟

- إن كل حركة تغيير سليمة يجب أن تكون نتيجة فكرة واضحة تسبقها، وكل فكرة سليمة يجب أن تستلهم نفسها من الواقع، وكل واقع هو حصيلة تفاعل زمني بين الإنسان والمكان والظروف، المشكلة الآن، هي في واقع الإنسان العربي وواقع الأرض العربية، وما حولهما من ظروف إقليمية ودولية، وفي ظل هذا الواقع تتخبط الأفكار والشعوب والأوطان. من هنا تأتي أهمية وضوح الرؤية للواقع وللمستقبل، في صياغة الأفكار عموماً وفي العمل الحركي الجماعي، خاصة أن العرب لم يدركوا بعد مخاطر الانفصام بين شخصيتهم الوطنية وهويتهم الثقافية، بين أن تكون لهم هوية ثقافية واحدة وانتماء حضاري واحد، وبين واقع لا يجسّدون فيه ذلك بأي شكل فاعل سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ولعلَّ مدخل التَّعامل العربي المطلوب تجاه الحالة السلبية الراهنة هو التعويض - ما أمكن - عن مسارات الانحدار المستمر منذ أكثر من ربع قرن، وهذا التعويض يكمن في رفض الانجرار وراء التقسيم المفتعل للأوطان والشعوب تحت دعوات طائفية أو مذهبية أو عرقية، كما هو ضروري أيضاً التمييز بين العروبة كهويَّة انتماءٍ للعرب جميعاً، وبين إساءات بعض الأنظمة والمنظمات التي رفعت شعار العروبة أو القومية.

تعليقات

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد