Al Jazirah NewsPaper Tuesday  04/09/2007 G Issue 12759
عزيزتـي الجزيرة
الثلاثاء 22 شعبان 1428   العدد  12759
 
أمل معقبةً على العُمري: إحسان الظن بالآخرين

 

في زمن اللهاث وراء المادة، والركض سريعاً صوب المكسب المادي بأي اتجاه للحصول عليه بأية طريقة كانت، ووفق أية وسيلة، وباستخدام شعارات الكذب تارة، والغش والخداع تارة وتارة. ومن خلال استخدام تلك الوسائل والأساليب يظهر على السطح (سوء الظن) الذي انتشر بشكل مزرٍ في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

و(سوء الظن) عنوان مقالة جميلة قرأتها للأستاذ سلمان بن محمد العُمري في ملحق (آفاق إسلامية) الصادر يوم الجمعة 18-8-1428هـ.

إن تلك المقالة التي سطرها العُمري كانت هاجسي منذ زمن أشاهد وأستمع فيه إلى من حولي عبر تصرفاتهم وإساءاتهم الظن فور حدوث موقف أو حادثة لأية إنسان، وأعتقد أن مردّ ذلك الغيرة أحياناً، والحسد أيضاً.

ولا شك أن (حسن الظن) أفضل وأحسن للإنسان لراحة قلبه في هذه الحياة، ولا أسعد لنفسه من حسن الظن، فيه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد.

إن (حسن الظن) يؤدي إلى سلامة الصدر، وتدعيم روابط الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع، فلا تحمل الصدور غلاً ولا حقداً، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً).

وإذا كان أبناء المجتمع بهذه الصورة المشرقة فإن أعداءهم لا يطمعون فيه أبداً، ولن يستطيعوا أن يتبعوا معهم سياساتهم المعروفة: فرِّق تسُدْ؛ لأن القلوب متآلفة، والنفوس صافية، وهناك العديد من الأسباب التي تعين المسلم على إحسان الظن بالآخرين، ومن هذه الأسباب:

1- الدعاء: فإنه باب كل خير، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يرزقه قلباً سليماً.

2- إنزال النفس منزلة الغير: فلو أن كل واحد منا عند صدور فعل أو قول من أخيه وضع نفسه مكانه لحمله ذلك على إحسان الظن بالآخرين، وقد وجّه الله عباده لهذا المعنى حين قال سبحانه: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا) (النور: 12)، وأشعر الله عباده المؤمنين أنهم كيان واحد، حتى إن الواحد حين يلقى أخاه ويسلم عليه فكأنما يسلم على نفسه: (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ) (النور: 61).

3- حمل الكلام على أحسن المحامل: هكذا كان دأب السلف رضي الله عنهم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً). وانظر إلى الإمام الشافعي - رحمه الله - حين مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوّى لله ضعفك، قال الشافعي: لو قوي ضعفي لقتلني، قال: والله ما أردت إلا الخير، فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير. فهكذا تكون الأخوة الحقيقية: إحسان الظن بالإخوان حتى فيما يظهر أنه لا يحتمل وجهاً من أوجه الخير.

4- التماس الأعذار للآخرين: فعند صدور قول أو فعل يسبب لك ضيقاً أو حزناً حاول التماس الأعذار واستحضر حال الصالحين الذين كانوا يحسنون الظن ويلتمسون المعاذير حتى قالوا: التمس لأخيك سبعين عذراً، وقال ابن سيرين رحمه الله: (إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذراً، فإن لم تجد فقل: لعل له عذراً لا أعرفه). إنك حين تجتهد في التماس الأعذار ستريح نفسك من عناء الظن السيئ، وستتجنب الإكثار من اللوم لإخوانك:

تأنَّ ولا تعجل بلومك صاحباً

لعل له عذراً وأنت تلوم

5- تجنّب الحكم على النيات: وهذا من أعظم أسباب حسن الظن، حيث يترك العبد السرائر إلى الذي يعلمها وحده سبحانه، والله لم يأمرنا بشق الصدور، فلنتجنب الظن السيئ.

6- استحضار آفات سوء الظن: فمن ساء ظنه بالناس كان في تعب وهمّ لا ينقضي، فضلاً عن خسارته كل من يخالطه حتى أقرب الناس إليه؛ إذ من عادة الناس الخطأ ولو من غير قصد، ثم إن من آفات سوء الظن أنه يحمل صاحبه على اتهام الآخرين مع إحسان الظن بنفسه، وهو نوع من تزكية النفس التي نهى الله عنها في كتابه: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32)، وأنكر سبحانه على اليهود هذا المسلك: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) (النساء: 49).

إن (إحسان الظن) يحتاج إلى كثير من مجاهدة النفس لحملها على ذلك، خصوصاً أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولا يكاد يفتر عن التفريق بين المؤمنين والتحريش بينهم، وأعظم أسباب قطع الطريق على الشيطان هو إحسان الظن بالمسلمين.

رزقنا الله قلوباً سليمة، وأعاننا على إحسان الظن بإخواننا.

أمل بنت حسن الضعياني-كلية التربية - قسم الدراسات الإسلامية

أمل بنت حسن الضعياني-كلية التربية - قسم الدراسات الإسلامية


التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد