من الأدواء التي تتربع على عرش التجليات الوبائية، وتمارس دورا تقويضيا في نظام العلاقات الداخلية، يأتي الحسد كحالة شعورية داخلية تنخر في هيكل المجتمع، وتفقد أفراده القدرة على التقدير ...
الواقعي للأشياء؛ الحسد عندما يستحكم، فإنه يمد العقل بطاقة هائلة، للبحث الدؤوب عن ثغرات الغير، ولتسليط الأضواء على المثالب؛ لإدانة أصحابها بها؛ عندما يظلم القلب نتيجة لتراكم الحسد عليه، فإن الرؤية تبيت سوداوية، على نحو يحرض العقل على التنقيب المتواصل عن كل ما من شأنه التقليل من قيمة نجاح الآخرين، والتشكيك فيما يحرزونه من تقدم على الصعد كافة؛ والبحث وعلى نحو مستمر عن ثغرة ما لتعميقها تدريجيا، وبالتالي النيل من صاحبها في كل آن؛ الحسد طاقة مدمرة، حاملها هو أول ضحاياها، الحسد عندما يحتقن، ينفث آثاره السامة داخل الإطار الذي يحتضنه، إن الحاسد لا يعي في كثير من الأحيان، أن أمره مكشوف، وأنه مهما استمات في تقمصه لنقيض حقيقته، إلا أن نهايته إلى الانفضاح، فالإرهاق المرسوم على ملامح عينيه، ولغته المتوترة، وطبيعة سياقات حديثه، تلخص مجمل ما يكونه على صعيد المعنى؛ أن يُحسد شخص ما هو أن يحاصر داخل أسوار العزلة المتعددة، بغية التعتيم عليه، أو دفنه رمزيا في الحياة، أن يحسد امرؤ مّا، هو أن يراد كتمان صوته، بتضييق الخناق عليه، أو بإبعاده، أو بعدم إيصال إبداعه إلى مكان ما، لئلا يمنح اعتبارا على نحو ما الحسد كفعل فتنة شراني، جزء من التركيبة الشخصية للحاسد المحترف، ولذا فهو يحسد حتى أقرب الناس إليه.
قد يختفي الحسد أحيانا في هذا السياق، لكنه لا يتلاشى بقدر ما ينتظر فرصة للظهور من جديد، ودون توقف!! الحاسد له آيات، علاماته لا تخفى على من يملك أدنى أثارة من لب، لا تخفى على ذي الحس المرهف، الذي بمقدوره أن يلتقط المشاعر، دون أن يباح بها، وبمكنته أن يقرأ خريطة الوجدان من خلال تقاسيم المحيا، إن الهواية التي يزاولها الحاسد بشغف، هي الغيبة، الأكلة، التي يتناولها بنهم هي لحوم الآخرين، إنه ينهمك في أكله، لكنه مع ذلك لا يستوفي شبعه، فلديه هوس حاد بحسد غيره، أحيانا بتظاهر بفرحه لفرح غيره، فقد تنفرج أساريره عن ابتسامة، ولكنها ابتسامة، لها امتدادها الماورائي، ابتسامة ليست كافية لإسدال الستار على ما يكابده من شعور بالحسد الحاد الذي يطل من عينيه في كآبة مفرطة، إنها ابتسامة، لا تعبر في حقيقتها عن شعور واقعي بالفرح، بقدر ما تفصح عن قلق مستبد، ليس بوسعه أحيانا مداراة الارتباك الناجم عنه، ليس بمكنته سوى أن يترجم بهذا السلوك الشاهد على ما يتلبسه في العمق من البعد الازدواجي، السلوك (القابيلي) - نسبة إلى قابيل - يتملكه على أكثر من صعيد، ويتمظهر في صور شتى، ثمة شعور يلازمه مؤداه، أن ثمة مكبوتا - وهو الحسد - يبحث عن منفذ له، يفتش عن مصرف تنفيسي، فإن لم يجد مخرجا، حسد نفسه، فهو حاسد ومحسود في آن!؛ فالحسد قوة ضاغطة عليه، خارجة عن إرادته، تتملكه في لاوعيه، المتلبس بموبق الحسد، عندما يريد أن يعبر عن أثر يطمح في رسمه، فإنه يتحصن داخل الذات، يمارس حسده سرا، يتظاهر بنقاء طويته، لا لأنه فعلا كذلك، وهو ما لم يكن من الأصل، وإنما لأنه يخشى تداعيات المجاهرة بنتانة سريرته؛ الحاسد لا يرى إلا بعين واحدة، لا ترى إلا السلبيات، ولذا فذمه أكثر من مدحه، وهو سواء في المدح، أو الذم، لا يتوجه إلى الأفكار، والأشياء، وإنما يتوجه إلى الأشخاص، إنه لا يثني على أحد، إلا على نفسه، كانعكاس آلي لنرجسيته!، وإن حدث وأثنى ذات إشراق مّا، فليس إلا من قبيل تحقيق مصالح الأنا، المفعمة بالأبعاد النرجسية المقيتة، فثناؤه، لا يأتي إلا من باب التستر، والإيحاء للآخرين بعدالته، وبعمق إنصافه، وأحيانا يكون مدحه، ليس إلا دينا، يتطلع إلى رده بالمثل!، وأحيانا - وهذا هو الأكثر - يكون ثناؤه، عبارة عن مقدمة تبريرية لذمه، بعد استدعاء (لكن) هذه ال(لكن) التي يسميها بعض العلماء (غيبة لكن) لها أولوية في تناولاته، لقد أبدع (الجاحظ) في (الرسائل الأدبية) ص 118 عندما صور شيئا من علامات الحاسد بقوله: (وما لقيت حاسدا قط إلا تبين لك مكنونه بتغير لونه وتخوص عينه وإخفاء سلامه والإقبال على غيرك والإعراض عنك والاستثقال لحديثك والخلاف لرأيك) الحاسد كثيرا ما يكون مهذارا يخوض في كل مجال، الآخرون وعيوبهم هم محور حديثه، فليس لديه ما يطرحه إلا نقد الآخرين، ولمزهم، والتقليل من مكانتهم؛ عندما يتحدث غيره، فهو يحاول تخطئته، وربما أول كلامه، وربما بتره ليخرج بأخطاء وهمية!، هذا الأسلوب في ظنه - توهمه، يمنحه وزنا إضافيا، يعلي من قيمته، ويميز شخصيته ذات المنحى العدائي!؛ إن ثمة من يحسد، ولكن بصمت، ثمة من يتكلف الورع ادعاء، الحوقلة، والاسترجاع، قد تستصحب هنا، إرهاصا لما بعدها، وهكذا يبدو الحسد باسم الدين، يبيت مظهر التدين، هو الآلية الملائمة لمناهضة حقيقة الدين، وثمة من هو كثير الثرثرة، دائم القول الهذياني، لا يحفظ للآخرين أسرارهم، الأسرار عنده مشاعة، إلا في حالة واحدة، وذلك عندما يسمع ثناء على شخص ما، فإنه يبذل قصارى جهده للتكتم عليه، السرية هنا تحضر بكثافة، على غير ما هو معهود منه في سائر أحواله، إنه يعمل ما وسعه الجهد على عدم إطلاع الآخرين عليه، فضلا عن أن يوصل هذا الإطراء إلى الممدوح، إنه يتفانى لكي يبدو وكأنه جاهل - طبعا هو يتجاهل- بما يتميز به غيره!، أكثر ما يقلق الحاسد، ويقض مضجعه، ويفاقم القلق في أعماقه، هو ما يناله غيره من نعم شتى، ولذا فعندما يمر غيره بتجربة فاشلة، أو يخفق في مجال مّا فهذا هو مصدر سروره، فحاله تتبدل، يستنير وجهه، يتراقص فؤاده، هنا تغادره السرية، حيث يبذل وسعه لإذاعته، بل وربما صار يبث الشائعات التي لا تفصح إلا عما يحتوي عليه من الزخم العدواني! وهكذا يفعل الحسد بصاحبه عندما يكون متجذرا في كينونته، ومنذ نعومة أظفاره، إنه يكون الآلية الوحيدة للتنفيس عن احتقانه؛ الفضولية، من أخص سمات الحاسد، ولذا فهو دائما يسعى للتنصت على الآخرين، وترقب تصرفاتهم، ومحاولة اقتحام خصوصياتهم، كثيرا ما يرمق غيره، يقتحمه، بنظرات تنضح بالفضولية، عندما يدلف إلى مكان مّا، فعيناه تجوب أنحاء المكان، تطوف في أرجائه، تذرعه بخطى مدفوعة برغبة جامحة للاستطلاع، ثمة نار يتضاعف تصاعد ألسنة لهبها، تدفعه بوعي أو بدونه، إلى أن يحشر نفسه فيما ليس من شأنه، الحاسد كثير التذمر من المجتمع، كثير التبرم من المكان والزمان، الطابع العام لحديثه هو الذم، فلا يعجبه شيء، وإنما هو ساخط على واقعه، حاقد عليه، هذا الحقد، ينشأ منه الحسد كنتيجة له، كما يقول الإمام (ابن قدامة المقدسي): (أعلم أن الغيظ إذا كظم لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن فاحتقن فيه فصار حقدا وعلامته دوام بغض الشخص، واستثقاله، والنفور منه، فالحقد ثمرة الغضب والحسد من نتائج الحقد) انظر كتاب (مختصر منهاج القاصدين) ص174 إن ثمة علاقات طوعية تبنيها باختيارك، وهذا لا إشكالية فيه، وإنما الإشكالية في العلاقات التي تفرض على المرء بغير إرادة منه، كعلاقة الجوار والزمالة والقرابة ونحوها فيضطر الفرد إلى عدم بت الصلة مع الحاسد، وهنا لا بد من معرفة كيفية التعامل معه، وذلك من خلال تقليل فرص التواصل معه، وعدم إظهار كثير من المزايا، بإخفائها عنه، وكذلك عدم إفشاء السر إليه، والحذر من طلب مشورته، إلا من باب الاستئناس فحسب، مع الحرص على مداراته، وأن يُبدي نحوه كل تقدير، وعدم مكاشفته بجريرته، على نحو مباشر، والتلطف معه قدر الإمكان، على نحو يمتص حسده، ويقلل من تداعيات ما يعيشه من حالة التأزم النفسي؛ العاقل بلطافته، ودماثة خلقه، يتجنب إثارة الحسد ضده، فهو دائما يشعر الآخرين بحظوتهم، ويبعث فيهم شعورا بتميزهم، لا بتميزه عنهم، وثمة بون شاسع بين هذا، وذاك، وقد أحسن أحد الحكماء عندما قال: (إذا أردت أن توجد لك مزيدا من الأعداء، فتميز على أصدقائك، أما إذا شئت أن تكسب الأصدقاء فدعهم يتميزوا عليك) إن معرفة علامات الحاسد شرط أولي لتجنب آثاره، هذه العلامات يعبر عنها (الجاحظ) الذي وصف الحاسد بأنه (هو الكلب الكلِب، والنمر الحرب والسم القشب والفحل القطم والسيل العرم إن ملك قتل وسبا وإن مُلك عصى وبغى حياتك موته وثبوره وموتك عرسه وسروره يصدق عليك كل شاهد زور ويكذب فيك كل عدل مرضي لا يحب من الناس إلا من يبغضك ولا يبغض إلا من يحبك... إنه لا يأتيك ولكنه يناديك ولا يحاكمك ولكنه يوازيك أحسن ما تكون عنده حالا أقل ما تكون مالا وأكثر ما تكون عيالا وأعظم ما تكون ضلالا وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدا وأبعد ما تكون من الناس حمدا فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الموتى ومخالطة الذمنى والاجتنان بالجدران ومصر المصران وأكل القردان أهون من معاشرته والاتصال بحبله) رسائل الجاحظ الأدبية ص122-123 ومن الجدير ذكره في هذا الموطن، أن الحسد أشد ما يكون بين النظراء، والعلماء، والأقران، وأرباب المهنة الواحدة، على وجه الخصوص و(ابن عبد البر) ينقل في (جامع بيان العلم وفضله) ج2، ص151 عن (ابن عباس) قوله: (خذوا العلم حيث وجدتم ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة) وينقل أيضا عن (مالك ابن دينار) قوله: (يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض فإنهم أشد تحاسدا من التيوس) وفي (تهذيب التهذيب) ج8، ص81 يقول (ابن حجر): (إن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضا إذا كان غير مفسر) إن من المؤكد أن لدى كل منا أرشيف غني بالحكايات، وحافل بالقصص الغرائبية، عن مظاهر الحسد، وتداعياته العاملة في السلب؛ وصفوة القول: إن المحبة، والتسامح، وإرادة الخير للغير، وإحداث قطيعة على المستوى السلوكي مع ثقافة الحسد والكراهية شرط ضروري لصفاء الوجدان، ونقاء الطوية، وبالتالي التماسك المحكم في البنيان الكلي العام.
abdallah_2015 @hotmail.com