تحظى الخدمات الصحية في بلادنا باهتمام الدولة وعنايتها.. وليس أدل على هذا الاهتمام من أن النظام الأساسي للحكم الصادر بالأمر الملكي الكريم رقم (أ-90) وتاريخ 27-8-1412هـ نص في مادته رقم (27) على الآتي:
(تكفل الدولة حق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة).
كما نصت المادة رقم (31) من النظام على الآتي:
(تعنى الدولة بالصحة العامة، وتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن).
ولقد جسد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -يحفظه الله- كل ذلك في عبارة واحدة حين قال كلمته الشهيرة: (لا شيء يغلى على الصحة).
وفي إطار هذا الاهتمام وجد مستشفى الملك فيصل التخصصي وأنشئ مستشفى الملك فيصل التخصصي في جدة في عام 1421هـ الموافق 2001م. ولكن ظل تخصصي جدة يعاني من فراغ المرجعية النظامية والتنظيمية لسنوات عاش خلالها تبعات هذا الفراغ.. في شكل تعثرات عانى منها منسوبوها ومرضاها على حد سواء.
ولذلك فإن الأمر السامي الكريم القاضي بضم مستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة إلى المؤسسة العامة لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بحيث يصبح فرعاً لها.. يعد قراراً صائباً بكل مقاييس المصلحة الوطنية والرؤية الثاقبة لمستقبل الرعاية الصحية في المملكة، والتقييم العلمي الصحي.
وإلى جانب ذلك فإنه يتماشى مع استراتيجية الدولة في توفير الرعاية الصحية التخصصية Tearsury Care وتعميمها وإتاحتها للمواطنين.
فالتنظيم الجديد سيقود إلى معالجة معضلة غياب المرجعية النظامية والتنظيمية ومن ثم يؤدي إلى الاستقرار الطبي والإداري والمالي وفق تخطيط معتمد.. ليمارس المستشفى دوره في مناخ يساعد على جودة الأداء وعطاء الإبداع لما فيه مصلحة المريض.
ولقد سبق لي أن دعوت إلى ضم تخصصي جدة إلى المؤسسة العامة لمستشفى الملك فيصل التخصصي في مقال سابق لي نشر في مجلة اليمامة.. وآخر نشر في جريدة الوطن.
ذلك وأن المؤسسة العامة لمستشفى الملك فيصل ومركز الأبحاث أنشأت في شهر صفر من عام 1426هـ بهدف توفير الخدمة الطبية التخصصية الدقيقة على امتداد الوطن.
والحاجة إلى دور فاعل لتخصصي جدة تعد ملحة لتشكل المستوى الثالث للرعاية الصحية في إطار النظام الصحي المعتمد من قبل منظمة الصحة العالمية والذي تتبناه المملكة وسائر الدول الأعضاء في المنظمة وهو النظام الصحي الذي يتضمن المستويات الصحية الثلاثة الآتية:
- المستوى الأول: الرعاية الصحية الأولية Primary Health Care
حيث يعالج المريض ابتداء في مراكز الرعاية الصحية الأولية، وإذا ما احتاج إلى عناية صحية أكثر تطوراً يحال إلى المستوى الثاني.
- المستوى الثاني: المستشفيات العامة General Hospitals
وهي مستشفيات توفر عناية صحية عامة بما فيها من جراحات وتنويم.
- المستوى الثالث: المستشفيات التخصصية Tearsury Hospitals
وهي المستشفيات التي توفر عناية طبية متقدمة ودقيقة وتخصصية.
وحيث لا توجد في منطقة مكة المكرمة والمناطق المحيطة بها مستشفى تخصصي.. فإن ذلك يشكل ضعفاً في معطيات النظام الصحي.. وبهذا فإن وجود تخصصي جدة يلبي احتياجاً طبياً ماساً.
وهذا ما أشارت إليه خطة التنمية الثامنة (1425-1430هـ).. وإلى جانب ذلك قدرت الخطة الاحتياجات الصحية لمنطقة مكة المكرمة بـ1950 سريراً.
هذا إضافة إلى عامل تغير أنماط الأمراض Patterns of Diseases حيث انتشرت الأمراض المستعصية التي تحتاج إلى مستشفيات تخصصية.
ومن ناحية أخرى فإن الضغط الهائل الذي يواجهه مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض يقتضي هيكلة النظام الصحي وفق الاحتياجات المتغيرة وبما يتماشى مع أهداف الدولة واستراتيجياتها الهادفة إلى توفير الرعاية الصحية المتقدمة لمواطنيها. ولقد جاء اختيار معالي الدكتور فهد العبدالجبار رئيساً لمجلس إدارة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث اختياراً موفقاً عطفاً على رصيد الفكر وثراء الخبرة للدكتور فهد، فلقد سبق له تولي إدارة المستشفى.. وفي الحرس الوطني أصبحت المستشفيات مدناً صحية بقيادته وبدعم وتوجيهات خادم الحرمين الشريفين.
كما أن أعضاء مجلس الإدارة الذين تم تعيينهم هم من الكفاءات العالية الذين يفخر بهم الوطن ويزهوا بهم المواطن.. فالاختيار كان موفقاً.
والمنتظر من مجلس إدارة المؤسسة أن يعمل على وضع الهياكل والتنظيمات واللوائح بما يستكمل القاعدة التنظيمية الصلبة لتخصصي جدة بحيث ينطلق إلى عطاء يواكب تطلعات خادم الحرمين الشريفين في توفير الرعاية الصحية التخصصية عالية الجودة للمواطنين.. ويلبي احتياجاتهم. فالآمال المعقودة على المجلس فيما يتعلق بتخصصي جدة كبيرة.. ولا ريب أن تحقيق ذلك يتطلب توفير سبل الدعم اللازم للمجلس ليضطلع بدوره المأمول. وفي الختام لا يفوتني أن أقدم الشكر للجهود التي بذلت في إنشاء تخصصي جدة من قبل العاملين في تخصصي الرياض وفي مقدمتهم معالي الدكتور أنور الجبرتي.